بَيْنَ السَماءِ وَالأَرْض




السماء والأرض.. الروح والجسد.







لطالما كانت السماء تذكرني بالروح،
ذلك الشيء الذي لم يتمكن أحد من تحديد تعريف له بعد.


لم أكن أعيش على هذه الأرض في بداية أنفاسي.
لم أكن أعي كل هذه الماديات حولي.
كانت روحي تتطلع إلى السماء، وفكري خارج نطاق هذا العالم.

حتى بعد ارتدائي أول زي لي في حياتي،
أنيقٌ يبرق بلونه الأبيض والأزرق، لدخولي الروضة،
سرعان ما تلاشى بريقه مع صرخات الأطفال والمعلمات معاً.
فكان السرير في الصف مهربي المفضل، وأكثر ما أذكره من تلك المرحلة.
ولم يكن امتلاك الألعاب أو الأغراض يشدني، بل ما ستجلبه تلك اللعبة أو الغرض لروحي.
كنت أقضي وقتي بالسرحان، ورؤية ما لا يُرى، وسماع أصوات كثيرة.
كلما ظهر شيء أمامي، أتأمله وأفكر فيه بعمق بعيد جداً،
مهما كان ذلك الشيء بسيطاً أو صغيراً،
ولو كانت نملة تسير على الأرض..
أو مسماراً مضروباً بزاوية الكرسي..
أو خيوط السجاد الذي أسير عليه..
أو ضوء الشمس والظلال الناتجة..

في كل شيء أراه أو أسمعه، أطير إلى عالم آخر،
كنت أحب ذلك كثيراً.. متعتي الكبرى.





لكن عندما يكبر الطفل قليلاً،
يبدأ الآخرون بمحاولة سحبه وتثبيته على الأرض باسم “التربية”.

هل حقاً يتوجب علي طاعتهم؟
هل حقاً لا أكون شخصاً جيداً إلا بطاعتهم؟
لكن كيف لكبير لم يتمكن من تربية نفسه والسيطرة عليها، أن يربي طفلاً؟
كنت أرى كثيراً مما تأمرنا به المعلمات في المدرسة وكأنها أمور تافهة.
مثلاً.. كنت أتساءل، لما علي القيام بتمارين طابور الصباح؟
أنا أشعر بالسعادة والنشاط لمجرد مشاهدة الفتيات اللاتي يقمن بها بسعادة ونشاط وحيوية.
الأجدر أن يجعلوا القيام بها أمراً اختيارياً، لا إجبارياً.
فأنا لم أرى في القيام بتلك الحركات حاجة لروحي.
تم توبيخي ومعاقبتي كثيراً لرفضي القيام بتلك التمارين،
حتى أصبحت مشهورة بالطفلة ذات الرأس اليابس.
لكنه لم يكن يابساً.. كل ما كنت أحتاجه هو لأحدهم أن يأخذ دقيقة من وقته ليشرح لي لما هذه الحركات السخيفة مهمة؟
لم يحاول أحد شرح ذلك لي، وكانوا فقط يغضبون ويصرخون كالمجانين،
بينما أنا أزداد عناداً بصراخهم.






ورغم إصراري وثباتي، إلا أنني أعترف..
أن صراخهم هز السلام في داخلي وأصابني بالقلق..
كيف أصبح التأمل وحرية الفكر جريمة لا تغتفر؟
قررت الانتباه إلى الأرض أكثر كي أتجنب المشاكل،
لعلي أفهم الناس وأعي أسبابهم.
لكن ذلك لم يكن سهلاً…
فحتى وأنا أسير مع أصحابي، لم يكن لدي ما أقوله بين أحاديثهم اليومية التي لا تهمني،
كانت خطواتي تتباطأ تدريجياً كلما أكثروا من هذه الأحاديث، إلى أن أسير خلفهم ليكون كل ما أراه منهم هي ظهورهم، بالكاد أسمع ما يقولون.
لم تكن لدي مشكلة في ذلك بحد ذاته، فكنت مكتفية بذاتي وسعيدة فقط لرؤيتهم بحالة جيدة،
مدركة أنهم يحبونني ولا يجبرونني على شيء، وأنا كذلك أحبهم.
لكن..
سرعان ما يعود ذلك الشعور المفاجئ بفقد الإحساس بالأرض تحت قدميّ،
وارتفاعي تدريجياً وأنا أراهم يبتعدون..
لأرى نفسي أطفو بلا سيطرة… ولا علم لي بالمكان الذي سأذهب إليه هذه المرة..
وحتى عندما أحاول مناداتهم للإمساك بي قبل أن أضيع في الفضاء،
لم يسمعني أحد، وكأن صوتي لا يصل إليهم، بل كانوا يزدادون بعداً.



وهكذا إلى أن يختفوا ويختفي معهم كل شيء مادّي حولي.
وبعدها أفيق لأجد نفسي في زمن ومكان عشوائي،
قد يكون الصف.. أو المنزل.. أو السيارة… أو الحديقة…
أياً كان المكان،
لم أكن أعلم كيف وصلت إليه،
أو كم مضى من الوقت حتى وصلت إليه.



ربما صدّقت أن عدم ثبات وجودي بينهم هو سبب المشاكل وسوء الفهم.
حاولت توجيه تركيزي كله هذه المرة في تثبيت نفسي على الأرض.
فبالغت في التلذذ بالأطعمة، وامتلاك الأغراض، ومحاولة إضحاك الآخرين وجذب انتباههم واستحسانهم بالثرثرة ولو فيما لا معنى ولا هدف لها، وما إلى ذلك من أمور الدنيا.
وهكذا بقيت لسنوات حتى ثقلت قدماي وصرت لا أرتفع عن الأرض كلّياً…
بل نسيت أنني كنت أقدر على ذلك.




هل حُلّت مشكلتي هكذا؟

لا طبعاً..

قبل ذلك كنت غريبة فقط بنظر من هم حولي،
ثم، ولو أنني أصبحت طبيعية بنظرهم، أصبحت غريبة بنظر نفسي… فزادت غربتي.


لم أعلم ما يجب علي أن أصنع.
إن خطفتني السماء عالياً، صرت روحاً بلا جسد في هذه الدنيا… فينقطع وجودي.
وإن ثبتتني الأرض بقيودها، أنكرتني روحي وذهبت إلى مكان أجهله… فتضيع هُويتي.

بكلتا الحالتين، الحياة لم تكن تطاق أبداً…




لو كنت فقط أفهم لغة روحي في ذلك الوقت…
لأدركت أنها لم ترغب أن تكون حبيسة الأرض.
مهما أهديتها من متع الدنيا، لم ترغب بها.. بل كانت تزداد بعداً عني.

تريد السماء فقط.

ولا شيء سوى السماء.

وسوف تنتهز أي فرصة للصعود إليها.

ولو كان ذلك بأن تتركني وترحل!





وذات يوم،
كادت أمنيتها أن تتحقق في منامي…










أذكر وجه صديقتي البريء في المنام وهي تنظر إلي وأنا أرتفع ببطء عن الأرض.
ثم بتردد وهدوء لوحت لي قائلة بصوت منخفض ناعم.. “باي باي”.
لم تقدر على فعل أي شيء آخر، وكل ما بدا في عينيها نظرات الدهشة والفضول والكثير من التساؤلات.
كأنهما تقولان لي.. “لكن إلى أين تذهبين.. ؟”

لم أفهم سبب نظراتها واستغرابها،
ففي المنام، كنت أرى في صعودي الثابت ذاك أمراً طبيعياً أنتظر حدوثه منذ ولادتي،
وكلي شوق لرؤية المجهول الذي ظل يسحبني لسنوات.

كنت أرتفع عاليا وعاليا… إلى أن تجاوزت الغيوم،
واستمر صعودي حتى كدت أن أصل إلى النجوم.
لكن مخلوقات عجيبة بدأت تظهر من حولي كلما ارتفعت..
لم تكن مخلوقات مخيفة أو مؤذية!
لكنها كانت غريبة الشكل جداً لدرجة لم أفهمها…
مختلفة بأحجامها وطبيعة حركاتها، لا يتشابهون فيما بينهم بشيء.
وكانت تزداد غرابة كلما ارتفعت.

وبينما أنا ألتفت يميناً ويساراً متعجبة مما أراه،
وإذا بيد كبيرة جداً -أكبر من جسمي كله- تظهر فوق رأسي وتهبط إلى أن تلامسه،
وصدى صوت رجل رزين مجهول المصدر يقول لي.. “ليس بعد”.
ثم بكل حنية وهدوء، تدفع تلك اليد بي إلى الأسفل ببطء لتعيدني إلى الأرض مجدداً..
لم أقاوم ولم أقم بأية حركة، بل لم أنزعج على الإطلاق، فدفء تلك اليد على جبهتي كان يتدفق إلى جسدي كله وهدّأني…
أردت فقط الإحساس بذلك التدفق قدر ما استطعت.





أفقت من نومي بعد عودتي إلى الأرض.
وكان شعوري غريباً..
أكنت سعيدة؟
بالتأكيد!
لكن ليس لأجل عودتي إلى الأرض،
فجزء من سعادتي كان لرؤية صديقتي بتلك البراءة والجمال والاهتمام، متفهمة مصدقة تشهد أمري،
وسعيدة أكثر بالحنان الذي حصلت عليه من تلك اليد الكبيرة،
ذاك الصوت الرزين الذي يمنح القلب الطمأنينة،
ذلك العالم العجيب فوق السماء..
وكل تلك المخلوقات…
وكأنني رأيت كنزاً ثميناً لم يره أحد!
إلا أنني مهما حاولت رسم ما رأيت.. لا جدوى.. لا شيء يظهر كما رأيته…
ولا أستطيع حتى شرحه بالكلمات…


ومع مرور الأيام،
بدأت تدريجياً أدرك سبب عودتي إلى الأرض..

إن الأرض ليست كما كنت أنظر إليها سابقاً،
هي ليست مجرد شيء مادي أو سخيف.
بل هي فرصة ثمينة!
فما سأقوم به في هذه الأرض سيحدد موقعي بين تلك المخلوقات الغريبة فوق السماء.
في اليوم الموعود…




كنا دائما نسمع هذه الجمل التي تحث على العمل في الدنيا لأجل الآخرة،
لكنها لم تكن إلا جملاً تُردد، دون أن أدرك معناها بعمق أو أن أعرف كيفية تطبيقها في الواقع الحي.
لذلك رحت أقرأ كتباً كثيرة لأحظى بالعلم الذي يعينني على ذلك.

وبعد أكثر من سنتين من القراءة والبحث، أخيراً تمكنت من الإمساك بطرف الخيط.
أصبحت أرى هذه الأرض مكاناً للزراعة والعمل لكل شيء يرضي ربي ويثبت مقامي عنده فوق السماء.
عرفت معنى العيش بجسدي وروحي معاً.
وقلّت غربتي التي كنت أشعر بها حتى بين أهلي وأصدقائي.
بتت أرى في هذه الأرض -بكل ما فيها- الرابط القوي بالسماء.
ووعيت بعد كل ذلك البحث المكثف، كيف أن ذلك الرابط لا يتحقق إلا بسلامة الدين.
وسلامة الدين لا تتحقق إلا بسلامة العقل.
والعقل لا يتحقق إلا بالعلم والعمل معاً.

إن هذه الأرض وتلك السماء، رغم التناقض بينهما، إلا أنهما معا يشكلان المعنى الحقيقي للحياة.
لا يمكن الاستمرار بسلام في هذه الحياة عبر السماء فقط، ولا عبر الأرض فقط،
بل كلاهما مهم ومكمّل للآخر.





وهكذا عادت إلي روحي أخيراً.
لكن هذه المرة، أنا أرتفع بإرادتي!
وكأنها تقول لي..
“أنت الآن تملكين من المقدرة والعلم ما يكفي لأعود إليك باطمئنان،
بل أستطيع إهداءك دفة القيادة.”





الآن،
السماء لا تسمح لي بتجاوزها،
والأرض لا تمسكني رغماً عني،
بل أجد نفسي أطير بينهما مسيطرة على مستوى صعودي ونزولي، عالمة بوجهتي.
وكم هو شعور رائع، أن تكون مسيطراً على نفسك وقادراً على رؤية هدفك.


ولو أن توازني يختل بين الحين والآخر…
والرؤية تغطيها الغيوم في بعض الأحيان…
بل إنني لا أزال طائراً مبتدئاً في أول الطريق،
لكني سأبذل جهدي لأحافظ على هذه السيطرة قدر الإمكان،
والاجتهاد أكثر لتزداد قوة أجنحتي ورجاحة عقلي،
بإذن وقدرة خالق السماء والأرض معاً.






One thought on “بَيْنَ السَماءِ وَالأَرْض

Leave a Reply