حَقيبَةُ الهَرَب


كثيرٌ منا يعيش أيامه بأمان ولله الحمد. مما يشعرنا بالاستقرار والطمأنينة.
فيتيح لنا ذلك الحفاظ على ما نريده من ممتلكاتنا، وترتيبها في الخزانات والأدرج أو على الطاولات والرفوف.
لكن لنفترض –لا سمح الله- أن مكروها حل فجأة دون سابق إنذار.
كزلزال مدمر أو حريق، أو أي شيء يجبرك على الهرب الآن فوراً في هذه الثانية،
ولا مجال لك بحزم أمتعتك كما تفعل لحقيبة السفر.
فما هو الشيء –أو الأشياء، إن أمكن- التي ستأخذها معك في تلك الثواني القليلة وأنت تهرب؟


أتذكر أول مرة سُئلت فيها بهذا السؤال،
كانت في إحدى ليالي العطل الصيفية عندما كنت أسهر مع أخواتي.
(إن لم تخني الذاكرة)
في ذلك الوقت كنت في المرحلة المتوسطة،
وكان بيتنا محاطاُ بجيران يملكون حيوانات كالدجاج والأغنام والبط وإلخ…
وكانت أمي قلقة بشأن ذلك، ففرصة تواجد الفئران تزداد بتواجد الحظائر. وكانت تشك أنها لمحت فأراً.
وشكها كان في محله، فقد وجد أبي فأراً ميتاً في المخزن، لكنه قال لأختي أن لا تخبر أحداً كي لا تخاف أمي أكثر.
لكن طبعاً، سرٌ كهذا لا يبقى بين الفتيات، فأختي لم تكن أقل خوفاً من أمي تجاه الفئران.
الوضع كان مضحكاً بالنسبة لي في البداية، فأنا لا أخشى الفئران، بل أخشى الصراصير فقط.
لكن أخواتي أخبرنني عن الطاعون لإقناعي بخطورة الفئران..
ثم أخبرتني أختي الكبرى أن مخلفات الفأر نجسة.. وهي تعلم مدى أهمية الطهارة عندي.
فأنا قد أتحمل الجلوس في مكان وسخ ذو رائحة نتنة، لكن لا أتحمل الجلوس في مكان نجس ولو بدا نظيفاً ذو رائحة نقية.
فدخلت معهن في دوامة الخوف، وأصبح ظهور الفأر في أذهاننا كحدوث زلزال مدمر.
تخيلت كل واحدة منا ظهور الفأر في غرفتها، وما هو أول شيء ستأخذه معها في تلك اللحظة.
كلهن قلن أنهن لن يأخذن شيئاً وسيهربن دون أي تفكير،
عدا الأولى، قالت أنها ستأخذ قرآنها معها كي لا تصل نجاسة الفأر إليه.
أما أنا، فتأخرت في الإجابة وأنا أتعمق في التفكير…
فأنا أحب رسوماتي.. وأدوات الرسم،
وكل أعمالي الفنية،
وأحب ألعاب الفيديو التي أملكها،
وأحب طاولتي،
وصندوق الموسيقى قرب المرآة،
وكنت أفكر كيف سأخرج من المنزل بالبجامة، سأحتاج إلى ملابس لائقة للخروج،
ولدي هدايا ورسائل إعجاب كثيرة حصلت عليها وأحتفظ بها في صندوق الذكريات…
لحظة! ماذا عن سري الكبير! دفتر يومياتي!
لا يجب أن أتركه خلفي.. ربما يجب أن أرمي ذلك الدفتر منذ الآن…
وبينما أنا هكذا أتعمق في التفكير، قطعت أفكاري إحدى أخواتي بسخرية قائلة، “الفأر هو من سيهرب منها”
فضحكوا جميعاً، وضحكت معهن دون سبب، وبالي مشغول بدفتر اليوميات.


مرت الأيام ونسينا أمر الفأر، كما ونسيت رمي دفتر يومياتي.


لكن..

بعد شهر تقريباً،
سمعنا الصرخة الأولى…







أختي تركض غاضبة من الفأر وتتمنى له الهلاك.
(أو ربما غاضبة لأنها لم تتمكن من أخذ القرآن)
قالت لأبي أنها تعتقد أنه خرج من غرفتها أسفل الباب لكنها ليست متأكدة.
دخل أبي غرفتها وقلبها رأساً على عقب ولم يجد شيئاً..
فسبب ذلك القلق لنا جميعاً.. ووضع أبي الفخاخ في كل الغرف.
الكل كان يتحدث عن الموضوع وكأن مصيبة حلت على بيتنا، إنه الغزو الفئراني الغاشم.
إلا أنني بصراحة، كنت أكثر قلقاً من مادة الاجتماعيات، فقد بدأت السنة الدراسية الجديدة.


وبعد يومين، سمعنا الصرخة الثانية..

ركضنا لنرى أختي الثانية تهرب باكية من غرفتها، حاملة معها وسادتها ولحافها و… فرشة أسنانها..؟؟
(ألم تقل أنها ستهرب دون التفكير بأي شيء آخر؟)
دخل أبي غرفتها ليخرج ما تحتاجه من أمور أخرى وليتأكد من تواجد الفأر، ثم أغلق الباب بإحكام.
وفي اليوم التالي، وجد الفأر في المصيدة.
ممتاز!
أنا اعتقدت أن الأمر انتهى هكذا.

لكن أبي ظل يحذرنا من ترك أي طعام في غرفنا.
ذلك أن ظهور فأر واحد يعني تواجد المزيد منهم.
إلا أني كنت واثقة أن الأمر انتهى (على أي أساس؟).
فوضعت بعض قطع الشوكولاتة في الدرج.


بعد أسبوعين تقريباً…

دخلت غرفتي لأتناول بعضاً من تلك الشوكولاتة.
وعندما أمسكت مقبض الدرج، شعرت بهزة غريبة…
فقلت في نفسي شيئاً أشبه بكلمة.. “ماساكا…”
فتحت الدرج كاملاً بسرعة!
لأرى كرة الفأر تدور داخله كما تدور الملابس داخل الغسالة.
ثم وكأن روحاً أخرى اخترقت جسمي وبدأت بتحريكه كالدمية دون أن أفكر أنا بأي شيء.
رأيت نفسي أركض نحو حقيبة المدرسة وأسحبها معي خارجاً، وأغلق الباب بإحكام مع تغطية الفتحة أسفل الباب بأي فوطة قريبة.
عندما علم الجميع بما قمت به، امتدحوني.
لقد أدهشتهم ردة فعلي الشجاعة وقراري السريع بأخذ الحقيبة وإغلاق الفتحة أسفل الباب،
وتصرفي النبيل بالتضحية بغرفتي لأحبس الفأر فيها.. (ولو أنني قمت بكل ذلك دون وعي)
بالذات أبي، كان فخوراً بحرصي على دراستي وأخذي حقيبة المدرسة فوق كل شيء.. (كم ندمت على أخذها، كان سيكون عندي عذر للغياب من المدرسة)
وبينما أنا أقف متباهية بنفسي، أتظاهر وكأنني من قام بكل ذلك بوعي مني،
تذكرت دفتر يومياتي فجأة!

يا ويلي
غداً سيدخل أبي غرفتي ويخرج كل شيء… أمام الجميع…
ودفتر يومياتي موضوع مباشرة بالدرج الذي يلي درج الشوكولاتة!
لاااا!
سيخرجه أمام الجميع وسيضحكون علي!!

في اليوم التالي دخل أبي، وقلبي ينبض خوفاً.
ثم خرج غاضباً.. وكاد قلبي أن يقف. (هل قرأ يومياتي؟ أفيها ما يغضب؟ أصلا أنا نسيت ما كتبت!)

“ألم أقل لكم أن لا تتركوا أي طعام في غرفكم!”

أوه…
صحيح.. هذا أمر آخر.
ضحكت ضحكة السخافة، فلا رد ولا عذر لي.


——————————

على أية حال،

تلك الحادثة جعلتني أفكر بالكثير من الأمور.

ولخصتها كلها بموضوع أسميته “حقيبة الهرب”




هل حقيبة الهرب شيء حقيقي يمكن تجهيزه قبل أوانه كتجهيز حقيبة السفر؟
ففي السفر نحن نعلم بالوقت والمكان الذي سنذهب إليه، فنتمكن من تجهيزها قبل السفر، أي في اللحظة ذاتها.
أما حقيبة الهرب فهي لوقت غير معلوم، كما أن سبب الهروب والمكان الذي سنهرب إليه لهما دور في اختيار ما سنأخذه، ولا علم لنا بكل ذلك إلا حين يحصل.
ربما نعتقد الآن أننا نهتم بهذا وذاك، لكن في اللحظة الحقيقية، قد نتصرف دون وعي خلاف ما كنا نعتقد.
فأختي التي قالت أنها ستأخذ القرآن هربت ولم تتذكره إلا عندما خرجت من الغرفة.
وأختي التي قالت أنها ستستغني عن كل شيء وتهرب، أخذت وسادتها ولحافها بل وفرشاة أسنانها كذلك!
أما أنا، فنسيت كل شيء أحبه وأهتم به، وأخذت معي أكثر شيء أكرهه.. حقيبة المدرسة؟!

الآن أفكر..
لو أننا قمنا بتقليل ممتلكاتنا بحيث لا نملك إلا ما نحتاجه حقاً، أي أن نعيش حياة الزهد، كالتي يسمونها بالـ minimalist، (الكلمة التي بدأت بتطبيقها على حياتي منذ 2018)،
فلن نواجه مشكلة كبيرة بتجهيز الحقيبة في الثواني المعدودة التي نملكها للهرب.
أو على الأقل، سيسهل الزهد بالممتلكات أمر الهرب كثيراً.


لكن إن تعمقت بالموضوع وفكرت به بجدية أكثر،
فحقيبة الهرب موجودة في الحقيقة… على المستوى الفكري أو الروحي.
لنقل.. حين يأتي ملك الموت… بوقت غير معلوم… وسبب غير معلوم… وإلى مكان غير معلوم..
يفترض أن تكون حقيبة الهرب جاهزة…
تلك التي سنأخذها معنا إلى القبر وإلى ما بعد الموت…

ففي لحظة الاحتضار، اللاوعي سيطغي على الوعي، أو شيء أشبه بما حصل مع حادثة الفأر..
فالأولى ولو أنها هربت متحررة من كل ممتلكاتها، إلا أن خوفها أنساها وعدها بحماية الكتاب المقدس.
والثانية كانت تعاني من الأرق، فكانت تجهيزات النوم هو ما يشغل بالها.
أما أنا.. ورغم أنني أكره المدرسة ولا أجد فيها ذاك الاهتمام، إلا أنني أخذتها فقط لأن مادة الاجتماعيات هي ما كانت تشغل بالي في ذلك الوقت.
حتى إغلاقي للمسافة أسفل الباب لم يكن إلا تقليداً فطرياً بما فعله أبي لغرفة أختي.
لكن ماذا عن دفتر يومياتي المخجل؟
رغم كل ذلك الحديث والتفكير المسبق، إلا أنني تماطلت في رميه لأشهر،
إلى أن أصبح كالدَّين المنسي الذي ظل يلحقني حتى بعد الهروب، فلم تكتمل فرحة نجاتي.
إن ذلك يبدو لي الآن كالتشبيه الكوميدي الطفولي لأعمالنا المنسية في هذه الحياة، والتي ستكشف أمامنا يوم الحساب.

كان عندي متسع من الوقت للتخلص منه، ولم أفعل..


ربما..
ربما علي الاستمرار بتطوير حياة الـMinimalism التي بدأتها سنة 2018، لأجعلها تصل إلى فكري أيضاً..
كي لا ينشغل بالي عن حقيبة الهرب الحقيقية التي سآخذها معي تحت التراب.
إن كانت الأمور التي تشغل فكرنا هي التي تشكل اللاوعي فينا بالنهاية.
فإن حصرت فكري قدر الإمكان فقط على ما تحتاجه روحي،
هكذا أجبر اللاوعي على التصرف بحكمة حين يسيطر علي..

فأنا لا أريد أن تكون آخر كلماتي قبل الرحيل أشبه بـ..

“امتحان الاجتماعيات”

أو

“احرقوا دفتر يومياتي والشوكولاتة وكل شيء مخجل”


لا… لا…

4 thoughts on “حَقيبَةُ الهَرَب

  1. ربط رائع جدا و مبهر و أسلوب لطيف يجعلك تقرأ المكتوب إلى النهاية .. سرد ممتع و مشوق 👍

  2. طريقة السرد بسيطة لطيفة جعلتني أكمل قراءتي إلى النهاية، كما أن طابعك النهائي للموقف مغلف بالحكمة، لقد استمتعت بالقراءة 💗💗

Leave a Reply