جارِحُ أَحْلامي




أحلامي عن الطيور والأجنحة كثيرة، أكاد لا أحصيها.
لكن معظمها تكون إما عن طيور الحب أو العصافير والطيور الأليفة.
أما الجوارح، فنادراً ما أراهم.. رغم حبي الشديد لهم.

لكن في فجر هذا اليوم، ظهر الجارح في منامي مجدداً!
لا أدري إن كان ذلك الحلم مناماً، أو ما إن كان يحمل أي معنى،
لكنه بدا كفيلم طويل، وأحببته وأود تدوينه ومشاركته.


~~~~~~~~~


كنت كفتاة مختلفة قليلاً،
فتاة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها،
وكنت في غرفتي أكتب رسالة إلى الله، أخبره بكل ما أرغب به.
لا أدري لما كنت أكتبها بدلاً من التلفظ بها مباشرة… كأني لم أمتلك صوتاً في ذلك الحلم.
فكان الحال أني أكتب دعائي في رسالة، ثم أضعها مفتوحة فوق كفّتَي، وأرفعهما إلى الأعلى،
وبعد بضع ثوان، تتحول الرسالة إلى نجوم صغيرة متلألئة وتتناثر في الهواء.
إذ كان تحولها ذاك علامة لي أن ربي قد سمع دعائي.
إلا أن هذه المرة، شخص أعرفه بمثابة أخ عزيز زارني فجأة قبل أن أرسل رسالتي.
وبينما أنا منشغلة بضيافته، نسيت إخفاء الرسالة، فوقعت عينه عليها.
لم يفهم من كلماتها شيئاً إلا تلك التي ذكرت فيها طيري “أنامي”،
فلم يعجبه ذلك الدعاء المتعلق بأنامي.
وذهبنا أنا وهو وأنامي إلى البيطري للفحص..

عندما وصلنا، ذهلنا من المكان!
لم يكن مشفى، بل كان كحديقة حيوان كبيرة وجميلة مفتوحة بلا أقفاص، مليئة بالحيوانات العجيبة، معظمها من الطيور.
وفوق تلك الصخرة أعلى المرتفع، رأيت حبّي… العُقاب الذهبي!
كان عُقاباً ذهبياً كبير الحجم.. بحجم شاحنة!
لكنه بدا وكأنه مقيد نوعاً ما؟ أو أنه مجبرٌ على التزام مكانه.
وكان محاطاً بالمتفرجين.
أشرت لرفيقي على العُقاب بكل حماس وسعادة،
ففهم أني أريد زيارته بعد رؤيتنا للبيطري، وابتسم موافقاً.

وصلنا إلى عيادة البيطري الواقع في منتصف ذلك المكان، قريباً من موقع العُقاب.
كان طبيباً شاباً في الثلاثين من عمره، منهمكاً بعمله فلم ينظر إلي حتى،
وعندما بدأ بطرح الأسئلة عن حال أنامي وهو مستمر في عمله، أجبته بصوتي الذي عاد في تلك اللحظة فقط،
مما جعل رفيقي ينظر إلي بصمت، محاولاً سماع كلماتي قدر المستطاع كما لو أنها فرصة نادرة له.
أخيراً قلت للبيطري أن أنامي يبدو طبيعياً وبخير وأني لا أرى حاجة في إحضاره هنا.
ترك ما بيده وأخذ أنامي مني قائلاً “هذا ما يبدو لك في الظاهر، لكن سنعرف الحقيقة بعد الفحص”.

وبينما يستمر البيطري بفحوصاته، استأذنت لأزور العُقاب وأراه عن قرب، ورافقني الرفيق.
لكن عندما وصلنا، بدا وكأن هناك حواراً مزعجاً يدور بين العُقاب وأحد المتفرجين وصاحبه.
لم يكن ذلك المتفرج إنساناً، بل كان حيواناً من فصيلة القوارض لا أعرف اسمه.
ذلك القارض كان يحاول استفزاز العُقاب، وتحريضه ليهجم على صاحبه الذي يتفرج بخوف..
أي أن القارض يحاول الإيقاع بين العُقاب وصديقه الخائف!… أي صديق هذا؟! يا له من قارض مزعج!
كنت أراقب العُقاب على أمل أن لا يكترث لما يقوله القارض، لكني من باب الحرص رحت للخلف خلسة لأتفقد ما إن كان العُقاب مقيداً حقاً أم لا..
فتبين لي أنه ليس مقيداً على الإطلاق، وأن سكوته وامتناعه عن الهجوم ليس إلا احتراماً لقوانين المكان!
أي أنه حر طليق ويستطيع الهجوم متى يشاء!
أردت إخبار القارض بذلك كي يتوقف عن استفزازه وتحريضه، لكن صوتي اختفى مجدداً في تلك اللحظة…
والقارض الأحمق مستمر لا ينتبه إلي، بل كان يضحك ويتمادى كلما أحس أن انزعاج العقاب يزداد شيئاً فشيئاً،
إلى أن تعدى الأحمق حدوده وتفوه بكلمة لابد لها أن تكون إهانة كبيرة للعُقاب..
وهنا فقد العُقاب صبره أخيراً،
وراح يهجم على القارض وصاحبه.
فسحبني رفيقي قائلاً أن العُقاب غاضب جداً الآن وسيحاول استعادة احترامه بالهجوم على كل من سمع ذلك الحوار وشهد تلك الإهانة بصمت،
فعلينا الهرب!
وفعلاً بدأ العُقاب بمطاردتنا جميعاً… كنت خائفة.. لا أدري مما كنت خائفة.
فرغم ملاحقة العُقاب بنا وهجومه علينا، إلا أني رأيت في عينيه شيء آخر..
لم يبدُ لي غاضباً،
بل بدا لي أنه يضحك علينا ونحن نهرب..
وكأنه يحاول إخافتنا وحسب، لا يريد إيذاءنا.
لكن كان علينا الاستمرار بالهرب والخوف كي لا يقوم بإيذائنا حقاً.
حيث كان يرى في خوفنا وهربنا أمراً مرضياً وكافياً.

وبينما نحن نهرب هكذا في كل تلك الفوضى والضوضاء، تعجبت كيف أن البيطري لم يخرج لتفقدنا بعد!
فرأيته منهمكاً بالفحص ولم ينتبه حتى إلى كل هذا الصراخ والإزعاج؟؟!
لا أدري إن كان البيطري سيده أم لا، لكني أعلم أنه سيد المكان، وعلى الجميع طاعة البيطري طالما هم في منطقته..
فاتجهت إليه وأنا أزحف بسرعة إلى الخلف هاربة من العُقاب، وأمسكت بمعطفه،
نظر إلي فأشرت إلى العُقاب.
وعندما أدرك أخيراً كل ما يجري حوله، وكل تلك الفوضى التي أحدثها العُقاب، ترك ما بيده وراح يوبخه:
“ألم نتفق على أن تلزم مكانك في أوقات زيارة الزبائن؟؟!!”
توقف العُقاب عن هجومه واعتذر ثم طار إلى مكانه فوق الصخرة ملتزماً بالقوانين..
أنا لم أرى في تعبيره ونبرة صوته علامات الندم والاعتذار، بل بدا راضياً منتصراً.

رفيقي وكل الذين كانوا يهربون خائفين معي، لا أدري ما هو شعورهم تجاه العقاب،
لكني رغم خوفي وهربي، إلا أني لم أشعر بأي كره أو استياء تجاهه..
بل على العكس، أحببته أكثر!
وددت فقط لو يعود لي صوتي لأكلمه وأخبره بـ…
بـ…

أخبره بماذا؟
أنني لم أكن موافقة على ما كان يفعله القارض؟
أم أنني لم أكن سأراقب بصمت؟
أم أنني بريئة مما فعله؟
أم أنني.. أحبه؟…
لا..
ففي كل الأحوال لم يعجبه شيء من هذه الكلمات،
بل قد يفسرها على نحو خاطئ ويسخر مني…

انتهى البيطري من فحص أنامي، وأخبرني أن علي الحفاظ على نظافة مكان نومه أكثر فهي سبب المشاكل..
أنزلت رأسي خجلاً، لقد فضح إهمالي أمام رفيقي.
فقال الرفيق: “كنت أعلم أن عليك القيام بشيء ما بدلاً من إرسال دعاءك وحسب.”


خرجنا من عند البيطري،
وناظراي لا تفارقان موقع العُقاب…

أنظر إلى علو ذلك المكان… بشوق وحنين..

وكأنني فجأة بدأت أتذكر وأدرك..






عم الهدوء وأنا أراقب صخرة العُقاب..
صوت الحقيقة يقول لي، أن الحلم شارف على الانتهاء..
ووعيي بدأ يتداخل مع شخصيتي في المنام،
ليذكّرها بحقيقة العُقاب.. وما يعنيه لي ذاك الذهبي في الواقع.
فأدركت هي مقامه في قلبي وأن ظهوره في أحلامي أمر نادر،
وأني فور استيقاظي سيختفي هو وكل شيء، ليكون علينا تحمل أيامٍ أخرى من فراقه…

بقيت أنظر من خلالها إلى صخرة العُقاب وهي تصغر شيئاً فشيئاً، ونحن متجهين إلى بوابة الخروج من الحديقة..
حتى بدأ كل شيء في الحديقة يتلاشى تدريجياً…
بل واختفى ذلك الرفيق أيضاً، وكأنه لم يعد موجوداً.
ولم يبقى إلا منظر الصخرة فقط، ودفء أنامي في يدي..

إن رحلت الآن،

فلا علم لي متى سيظهر مجدداً…

هذا إن..كان سيظهر…

ليت…

ليته…

“ليته يهجم علينا مجدداً يا أنامي… بدلاً من تحمل ألم هذا البعد…”




!!!

أنا.. ماذا قلت بالتو؟

هل جننت؟

لابد أنني جننت…

لقد عشقته،
أنا أعرف أنني عشقته.
لكن لماذا؟
هل لأنه كثير الصمت؟
أم لأنه يتصرف بحرية وفق مبادئه ولو كرهه جميع الخلق؟
أم لأنه رغم حريته وقوته وبطشه، لم يؤذنا حقاً، وكان فقط يحاول إعطاءنا درساً في الحق… مما يعني أنه طيب القلب في الواقع؟
أم ثمة شيء آخر عنه تعرفه روحي ولا يدركه وعيي…؟
شيء يفوق حدود عقلي…؟

تساؤلات كثيرة تدور في ذهني حوله،
إلى أن وصلت إلى سؤالٍ جنوني آخر..
“هل سيذكرني؟..”
فأنا لم أكن إلا أحد الهاربين منه، ربما لم نكن في نظره إلا جبناء وأضحوكة.
لكني تمنيت لو يذكرني لسبب واحد..
أن من بين كل الهاربين، كنت الوحيدة التي تهرب للوراء وهي تنظر في عينيه طوال الوقت.
وهو رأى ذلك.


~~~~~~~~~

أفقت من الحلم بمشاعر مختلطة.
فقد كنت سعيدة بالإجابة التي حصلت عليها فيما يخص أنامي،
وكنت سعيدة لرؤية العُقاب الذهبي مرة أخرى،
لكني كنت حزينة حيث أن لقائي به لم يكن مميزاً بالنسبة له..

تباً لذلك القارض..
أضاع فرصتي الثمينة بلقاء
جارح أحلامي!
































One thought on “جارِحُ أَحْلامي

  1. ياا ربّ الجممممال!
    محظوظة بهذا النقاء ♥️

    هل المقطع الصوتي من آداءك؟
    أسرني جدًا جدًا

Leave a Reply