جَمالُ الخِذْلان




خذلته..

خذلت الطائر في داخلي.
خذلت ذلك الجارح الصغير في أعماقي.







بعد أن طلبت من العُقاب الذهبي أن يأخذني معه،
قال إنه لا يأخذ أحداً معه، إلا ليلتهمه.
بل عليّ أنا مجاراته في القوة والسرعة إن كنت حقاً أريد مرافقته.
وافقت بكل حماس، وقلت له: “سأتمكن من فعل ذلك حتماً”.

فتدربت على الطيران، من شجرة إلى أخرى.
إلى أن اعتقدت أنني سأتمكن من الطيران أعلى الجبل بلا شك.
مثله تماماً، بل ربما أفضل منه!

“سأفاجئه!”




كانت معنوياتي عالية،
وحلمي ينتظرني فوق الغيوم.

لكن حين وصلت قرب الجبل، أنظر إلى قمته بكل إصرار وحدّة،
أفرد أجنحتي متأهبة للإنطلاق،
سمعت صرخات وأنين الآخرين وهم ملقون على الأرض،
فلم أتمالك نفسي، أردت مساعدتهم.
رحت أحاول مساعدتهم في الصعود إلى الجبل؟!
ولو أنني ساعدت البعض على منحهم الثقة في اتخاذ قرار الصعود،
لكني وبكل بساطة رُميت بعيداً بسبب الرياح القوية حتى اصطدم رأسي ووقعت أرضاً…

وهكذا حصل..

تصورت أنني قادرة على مساعدة الأخريات.
لكن كيف لفتاة لم تصعد القمة بعد، أن تساعد غيرها على الصعود؟
لطالما قلت… “المرء لن يتمكن من تغيير أحد ما لم يغير من نفسه”.
صدّقت أنني قادرة على الوصول فقط لكوني قادرة على الطيران من شجرة إلى أخرى؟
هل أصابني الغرور مجددا؟
يبدو ذلك.. وليس غريباً علي…

لكن المشكلة ليست في نوبة الغرور تلك ولا في تصديقي المبالغ لقدراتي..
بل في ذلك الشك الذي يصيبني تجاه نفسي كلما وقعت وأدركت مستواي الحقيقي..

ففي كل مرة تصفعني الحقيقة لتعيدني إلى رشدي، أختبئ في قوقعتي…
وأتساءل عن هويتي مجدداً..
أنني ربما لست جارحاً،
بل ربما لست إلا عصفوراً صغيراً،
أو حتى ورقة شجر تطير مع نسيم الهواء…
ربما لست قادرة على حياة الجوارح،
وأن الحياة بين الأشجار أسهل وتلائمني أكثر…

لكن بعد بضعة أيام، أدرك أن ذهني لم ينشغل إلا بقمة الجبل،
وأن كل ذلك الشك والتساؤل عن هويتي ليس إلا هروباً…
وأنا أعرف لما ينتابني ذلك الشك.. فقد زُرعت بذرته في داخلي رغماً عني.
حاربته منذ الطفولة، وبقيت أحاربه بكل قوة حتى كبرت،
لكنه في النهاية تمكن من التغلغل في ذهني وقلبي في أضعف أيام حياتي…

لكن إلى متى؟؟!!
أنا أعرف تماماً هويتي!
رأيتها مراراً وتكراراً بكل وضوح!
وأعرف أن ذلك الشك ليس إلا كائناً دخيلاً متطفلاً!
ينتظر لحظة ضعفي وانكساري ليدخل ويسيطر عليّ!
جبان!!

وفي عدم إدراكي أنني في كل مرة أسمح فيها للشك أن يدخلني، أكون قد خذلته…
خذلت نفسي… خذلت اليؤيؤ.

ولا يسعني في مثل لحظات الخذلان هذه
إلا تذكر نظرات العُقاب المتعالية
حين قلت له أن بإمكاني مجاراته بكل تأكيد…








أكاد أراه أمامي، يسخر مني…
أكان يضحك عليّ…؟


تذكرت الآن..
قد قطعت وعداً أني إن سمحت للشك أن يأسرني مجدداً،
فسأعترف بعدم استحقاقي لاسم “ياياء”، وسأختفي عن الأنظار..
لكن ذلك تكرر كثيراً بعدها، ولم أختفي أبداً…

أختفي إلى أين أصلاً!

حتى هذه القوقعة ليست إلا وهماً!
أنا لست كما يقولون عني!
أنا لا أعيش في قوقعة، بل أذبل فيها وحسب، حتى أموت.

لكن كيف أموت بسلام وصرخات الآخرين مستمرة؟!

ثم كيف لي أن أموت قبل أن أجعل ذلك العُقاب يتراجع عن اليوم الذي نظر إلي فيه باستخفاف!

مكاني ليس في القوقعة،
وقدراتي ليست بحدود توقعاتهم،
بل لم أتدرب بما فيه الكفاية فقط!

سأعاود التدريب.
وفي هذه المرة، لن أفكر بأحد إلا نفسي،
فأنا التي تحتاج إلى التمكين في الواقع.

سأصعد بنفسي،
لوحدي.

سأخوض هذه الرحلة،
دون تدخل أحد،
دون مساعدة أحد.

ربما احتجت للمساعدة في الماضي…
حيث كنت مكبلة بالسلاسل، وكان لي العذر بالبقاء على حالي في تلك القوقعة المزيفة.
لكني الآن حرة، والطريق مفتوح أمامي، والعائق الوحيد هو نفسي.

لا عذر لي، سوى هلاكي.
ولا أحد معي، سوى جوارحي.
ولا طريق أمامي، إلا قمة الجبل.









Leave a Reply