التَّجَوُّعُ أَصْعَبُ مِنَ الجوعْ




عندما نتحدث عن السعي نحو هدف ما،
فما هو العائق الأكبر الذي قد يعترض طريقك؟


بالنسبة لي،
أكبر صخرة قد تعترض طريقي هي وفرة النعم..

كثرة الطعام
كثرة المتع
كثرة اللذة

كلها تأخذني بعيداً عن هدفي.


الإنسان الجائع لا يرى أمامه إلا طريقاً واحداً، طريق “السعي”.
أما الشبعان،
فيرى أمامه طرقاً كثيرة،
فلِما يترك الطرق السهلة البسيطة الممتعة والمريحة،
ويتجه إلى طريق السعي الصعب؟




إن دوام تلك الرفاهية، لا يجلب إلا الأفكار الواهية.








في الماضي،
بعد أن أصبح لدي كل ما أرغب به وأكثر.
ظننت أن كل ما ينقصني الآن هو شريك حياتي،
زوج يدللني ويمنحني أكثر مما اعتدت عليه.
فكنت أبحث عنه في السنوات الأخيرة الماضية.
وفي تلك الأثناء، اعتقدت أنني وجدت الرجل الذي أريد.
لكنه رفضني …!

“كيف يتم رفضي؟!”

كان ذلك الرفض صدمة كبيرة علي،
اعتدت أن أكون أنا من يرفض الرجال، فكيف لرجل أن يرفضني؟!
لم أقدر على تصديق ذلك،
مما جعلني أعيد المحاولة مرتين!
أي أنه تم رفضي ثلاث مرات من قبل الشخص نفسه!!
حتى فقدت الأمل به،
حفاظاً على ما تبقى من عزة نفسي.

لكن ذلك زادني إصراراً على إيجاد رجل أفضل، زوج مثالي أتباهى به،
وفي داخلي رغبة خفية بجعل من رفضني يندم على رفضه.
مؤمنة أنني لن أحظى بذلك المثالي إلا بالوصول إلى المثالية بنفسي أولاً،
لكني في رحلتي إلى المثالية تلك، مررت بتغيرات كثيرة،
فتغيرت كذلك أفكاري وأولوياتي ونظرتي إلى الحياة.

وفي هذه السنة أدركت أخيراً،
أن ما كنت أبحث عنه حقاً ليس زوجاً..
بل هي القوة التي تدفعني على السير في طريق السعي.
وأن بحثي عن الزواج لم يكن إلا من فراغ في داخلي،
واستمرار ذلك البحث لم يكن إلا لإشباع كبريائي الذي لم يتقبل فكرة الرفض.

لكني عرفت معنى “الجوع” بسبب ذلك الرفض،
وعرفت من ذلك الجوع تلك المتعة في السعي نحو هدف ما بكل إصرار وعزيمة وشجاعة.
حتى صرت أريد الحفاظ على حالة الجوع تلك.



لكن كم هو أمر غريب،
بعد كل هذه السنوات من المحاولة، ولمجرد إدراكي بعدم حاجتي لرجل،
يتقدم لخطبتي الآن رجل بكل المواصفات التي كنت أريدها، بل أكثر،
تفوق مواصفاته وتعامله وخلقه أضعاف ما يملكه الرجل الذي رفضني.
ورغم كل ذلك، لا أجد في نفسي رغبة بالتفكير في الأمر حتى..
لماذا؟

صدق من قال…
“عليك بالآخرة، تأتك الدنيا صاغرة”.

أنا لا أرفض الزواج نفسه،
بل لازلت أرغب به، بالفطرة.
لكني لم أعد أرغب بحياة الدلال والرفاهية..
فإن لم يكن رجلاً يطمح للوصول إلى قمة الجبل مثلي، على الأقل،
فلن يكون إلا عائقاً وعبئاً عليّ.
وأنا لن أكون له إلا شقاء وقسوة..
سيطلب مني أموراً لن أتمكن من تقديمها له.
وسأحتاج منه أموراً لن يقدر على تحملها.
فلِما أضعه ونفسي بحياة المشقة تلك؟
إن كان يريد العيش بالريف بين الحدائق والأزهار،
فالأجدر أن يبحث له عن زوجة ترغب بتلك الحياة أيضاً.

أما أنا..
فهدفي قمة الجبل،
وطريقي تملأه الصخور الصلبة والرياح الجافة والطيور الجارحة.
وكم سيكون رائعاً وجود رفيق معي، يؤنس وحدتي،
لكني مدركة بقلة المتواجدين في هذا الدرب الصعب،
فإن لم أجد لي زوجاً في طريقي هذا،
كان بها.

فكل ما يهمني الآن هي تلك القمة..
لا أريد لأي شيء أن يأخذني بعيداً عنها أو يشتتني.


لكن حين يظهر لي أنه رجل لطيف كريم طيب متمكن ولديه من الخير ما يكفي ليدللني ويسعدني،
معجب بي ويحاول خدمتي ومساعدتي قدر استطاعته… وبالكاد يرفض لي طلباً…
يسكنني في منزل كبير مريح، بل وأكثر من منزل واحد، وفي بلدان مختلفة…
بل يرغب بإيصالي إلى قمة الجبل بأسهل الطرق..
كل ذلك الحب والرعاية، وكل ما أرغب به وأتمناه،
متوفر أمامي على طبق من ذهب…
فيا لها من حياة خيالية حالمة جميلة جذابة و … مخيفة…
أنا…
أخاف منها…
أعترف بضعفي أمامها،
أعلم أني إن تناولت هذا الطعام،..
ستحول بيني وبين قمة الجبل غيمة ضبابية تشوّش عليّ الرؤية…
إلى أن أضيع طريقي إليها.
فحتى لو تمكن من إيصالي إليها بكل سهولة كما يدّعي،
فلن أحصل على ما أريده منها..
فقمة الجبل ليس مكاناً أريد الوصول إليه وحسب،
بل ما أريد الحصول عليه من وصولي إليها هو “الطريق” ذاته،
القوة، المقدرة الذاتية، التمكّن.
وإلا فما الفائدة..



“هل أنت مجنونة؟”

“كيف ترفضين شخصاً كهذا وأنت بهذا العمر؟”

“أنت لست بسن المراهقة!!”

“لأجلك! هو فعل كل ذلك لأجلك!”

“ستضيعين هذه الفرصة وتندمين عليها إلى الأبد!!!”




فرصة؟

أندم؟


إن الندم الوحيد الذي سيهلكني ويلحقني إلى القبر هو وصولي لسن العجز دون وصولي لقمة الجبل بنفسي،
فإن كان الزواج سيحول بيني وبين ذلك،
فأنا لا أريده، ولو كان رجلاً رائعاً…


ثم كيف سأواجه العُقاب الذهبي…
إن علم أن وصولي إلى القمة كان عن طريق الغش؟
لا أريد حتى تخيل نظراته تجاهي في تلك اللحظة!




أرجوكِ أن تفهميني.. أيتها النفس الضعيفة…

فأنا بعد سنوات عديدة من الغرق، قد أمسكت بنفسي أخيراً!

ألا تريني أتنفس وأضحك؟

ألا تريني قوية و”مشرقة”؟!

ألا ترين كيف أني أسعد مخلوق على وجه الأرض~!


لما تحاولين سلب كل ذلك مني لأجل القليل؟


أنا وأنتِ معاً شهدنا مراراً وتكراراً
كيف أن الزواج لتلك الأسباب سلب الكثير ممن حولنا قوتهم، بدلاً من أن يكون عوناً لهم.
كانوا بنفس عمري، يحملون طموحات وأهدافاً عالية، ثم بسبب جنون المجتمع للزواج تم تقييدنا بالسلاسل وسلبها منا.
فأسباب الزواج تلك متوارثة، وطريقة الزواج كذلك، كلها تدور حول “نظرة الناس”، “المتعة”، “الدنيا”، “الراحة”..
لكن هل يدرك أحد منهم المعنى الحقيقي للزواج؟
المعنى الحقيقي لـ “شريك الحياة”؟
الهدف الحقيقي من الإنجاب؟
يدّعون أنهم يهدون أبناءهم قوتهم كي يتمكن الأبناء من تحقيق ما لم يقدروا على تحقيقه هم…
يا إلهي… كم أمرهم عجيب…
كيف للأبناء أن يتعلموا إن لم يروه في أمهاتهم وآبائهم؟
بل لا يحق لهم أن يطلبوا من أبنائهم القيام بما لم يقدروا عليه هم أنفسهم!
وهكذا، بسبب اتباعهم الأعمى لبعضهم البعض دون تفكير أو تدبر –إلا من رحم ربي-،
شهدنا كيف أنهم دون أن يدركوا يقومون بتربية أبنائهم على المنهج ذاته،
على منهج الشبع والكسل والرفاهية والتباهي والنفاق.
لم أعد حتى أرجو شيئاً من الأجيال القادمة بسبب هذه التربية المتوارثة.
وأنا كنت سأكون منهم، أماً تورث الأوهام لأبنائها، لولا ذلك الجوع، لولا رحمة ربي ولطفه وكرمه.
فكيف تريدين مني الآن أن أكون شريكة في خلق ذلك الجيل الكسول المسرف؟!
جيل يشهد الظلم أمامه ويبقى ساكناً؟!!!
أو يكتفي بالتذمر والصراخ والبكاء؟!


مستحيل.




أرجوكم

أبعدوا هذه الأطعمة عني..
لا تحاولوا إغرائي بها..
فأنا أفضل الموت على العودة إلى حياة الشبع والبلادة تلك..

وليتكم تدركون..
صعوبة أن أرفض طعاماً رغم جوعي وحبي له،
خصوصاً حين يوضع أمامي، محضراً لأجلي.


اتركوني
وشأني
لوحدي.


إني أرى ما لا ترون.

أرى جحيماً مختبئاً خلف ما تسمونه “الجنة”.

أرى سمّاً فيما تدعونه “طعاماً”.



اتركوني


وإلا


سأضطر إلى الرحيل عنكم.


هرباً،


لحماية شعلة روحي.



























وهذا ما فعلت..

قد يكون التجوّع أصعب،
لكنه لأجل ما هو أسمى،
يبدو لي أكثر متعة ولذة~

Leave a Reply