ما يُعَوَّضُ وما لا يُعَوَّضُ في حَياةِ الرَحّالْ



إذاً آن أوان “حقيبة الهرب“،
ويبدو لي أن التاريخ يعيد نفسه.
فحسب ما أذكر، حاولت إنقاذ شعلة الروح تلك مراراً وتكراراً في الماضي.





لكن الفرق بين تلك المرات وهذه المرة،
أنني كنت دائماً أهرب من خطر أجهله، إلى مكان أجهله!
فاللاوعي والوعي لم يفهما لغة بعضهما البعض بعد في ذلك الوقت..
كان اللاوعي في داخلي يطلق صفارة الإنذار كلما أحس بخطر يهدد شعلة روحي،
فيصاب الوعي عندي بالهلع من تلك الصافرة، معتقداً أنه أخطأ بشيء ما،
ويترك زمام الأمور إلى اللاوعي ليسيطر على أفعالي بدلاً عنه، خشية أنه غير كفء لذلك.
لكن كان عليه أن يهدأ ويقوم بالاستفسار عن مصدر الخطر، وسببه، والآثار المترتبة.
فاللاوعي مسؤول عن حماية القلب فقط، هو لا يرى إلا الأعماق، لا يرى الحدود الخارجية، حدود العقل.
أما العقل فالوعي هو المسؤول عن حمايته.
يمكن القول،
أن اللاوعي ينظر من عين القلب،
أما الوعي ينظر من عين العقل.
حين يترك الوعي السيطرة الخارجية كاملة بيد اللاوعي ويختبئ، يكون كما لو أنه جعل ضريراً يقود السيارة.
فكان اللاوعي المسكين يأخذنا من جحيم إلى جحيم أسوأ دون أن يعلم، وهكذا بقينا في دوامة الهرب والضياع…

هذه المرة،
أنا أرحل بتعاون واتفاق الوعي واللاوعي معاً،
أصبحت أعرف تماماً ما أهرب منه، ولماذا، وإلى أين سأذهب.
أنا الآن أرحل بملء إرادة قلبي وعقلي معاً،
أمام أعين الجميع،
إلى مكان وهدف أقصده،
ولا أحد يمكنه أن يوقفني.

بل وسأترك عنوان إقامتي الجديد للجميع،
ويمكن لأي شخص أن يزورني.

الباب مفتوح،

فأهلاً وسهلاً~










قبل رحيلي،
وأنا أحاول حزم أمتعتي،
وقفت لبعض الوقت أنظر إلى كل ما أملك..


كثير…



رغم حياة الزهد التي بدأت أحاول الوصول إليها في السنوات الثلاثة الماضية،
إلا أن تعدد الطرق من حولي كان يصعّب عليّ التخلص من بعض الممتلكات..
أما الآن، وبعد اتخاذ قرار التجوّع، أصبح أمامي طريق واحد فقط.
مما جعلني أرى أن كثيراً مما كنت أتمسك به يبدو لي الآن بلا معنى.

ذاك القرار، زودني بقوة وقدرة أكبر على التخلص من المزيد.

لذلك عقدت اجتماعاً طارئاً مع كل من العقل والقلب والوعي واللاوعي.
لنناقش معاً ما يجب أن نأخذه معنا في هذه الرحلة، وما نتخلى عنه.
مدركة بأهمية رأي جميع أعضاء الفريق.



*****

الوعي:
هممم لنرى…. ملابس، طعام، ماء، و..

اللاوعي:
وحاجيات الصلاة والعبادة!

القلب:
طائرنا “أنامي”…

اللاوعي:
أكيد! لا داعي لذكره حتى!

العقل:
مصادر العلم والعمل، الأدوات والكتب.

اللاوعي:
أوه كتب!! لحظة أنا أيضا اريد بعض الكتب الجميلة!

الوعي:
لسنا بحاجة لتلك الكتب!

اللاوعي:
بل نحتاجها!!!

الوعي:
لـ.. لكن… ستثقل علينا الصعود!

اللاوعي:
نحن نحتاجها!!!


ياياء:
اهدؤوا جميعاً!!
لنذكّر بعضنا مجدداً.. إلى أين نحن ذاهبون؟


الوعي + اللاوعي + العقل + القلب:
قمة الجبل.


ياياء:
خطأ!


الوعي + اللاوعي + العقل + القلب:
…..


ياياء:
أنسيتم ما فعلته بنا رياح الجبال في المرة الأخيرة؟
لا يزال أمامنا طريق طويل قبل محاولة الطيران فوقها مجدداً.
بل نحن فقط ذاهبون الآن للبحث عن مقر جديد بعيد عن حياة الرفاهية والتشتت وكل هذه الضجة.
وفي ذلك المقر سنقضي كل الوقت في التدريب لبضعة أيام، أو أسابيع.. أو ربما أشهر!
إلى أن تقوى أجنحتنا على الطيران وسط الرياح العاتية.


العقل:
إذاً… أين سيكون مقرّنا الجديد؟


الوعي:
أقترح أن يكون قريباً من الجبل.


العقل:
أوافق.


اللاوعي:
وأنا أعرف تحديداً المكان المناسب لذلك!!
أتذكرون ذلك الكهف في الجبل؟!


العقل:
كهف… ألا تتخذون إلا الكهوف مقراً لنا في كل مرة؟


الوعي:
لا بأس، أنا أيضاً أراه مكاناً مناسباً.
هو لم يكن كهفاً في الحقيقة، بل مجرد تجويف في الجبل يقود إلى شجرة تعلوه، سيسهل علينا بناء مقرنا عليه.
كما وأنه على مرتفع مناسب وآمن وقريب من النهر.


اللاوعي:
وقريب من القرية التي تسكن فيها تلك الفتاة التي أحببناها!
أتذكرونها؟!


القلب:
تقصد “رَواء”؟
غريب، رأيتها في منامي بالأمس..


ياياء:
أرجوكم ابقوا في صلب الموضوع.
سنلقي نظرة عليه غداً،
لكن يفضل أن نتفق على ما نحتاجه وما لا نحتاجه..


العقل:
تقصدين ما نحتاجه وما نرغب به.

الوعي:
الرغبات خارج الحسبة تماماً. لا يجب أن نأخذ إلا ما نحتاجه فعلاً.
أما احتياجاتنا بحد ذاتها تنقسم إلى نوعين،
احتياجات تعوض، واحتياجات لا تعوض.
يمكننا على هذا الأساس اختيار ما نأخذه معنا.
وأترك القرار لكم.

العقل:
إذا أخبركم عن احتياجاتي،
الأمن والسلامة. العلم والعمل.

القلب:
الأمن والسلامة. المسؤوليات والمعنويات.

اللاوعي:

لم أعد أفهم شيئاً…

الوعي:
ولا أنا… نحتاج لبعض الوقت لنفهم العقل والقلب وما يقصدانه…


*****


بعد مرور أكثر من ستة أيام،
تمكننا من الفرز وحزم أمتعتنا أخيراً.
وكان الآتي من بينها..


احتياجات تعوّض:
بالنسبة للملابس، فقد اتفقنا على ألا يكون لدينا أكثر من إثنين لكل مناسبة.
وليسهل غسيلها، اتفقنا على أن تكون كلها ملابس بيضاء قدر المستطاع، أو قريبة منه.
(ذكرني ذلك بالحلم الذي رأيته السنة الماضية في مثل هذا الوقت تقريباً…)


احتياجات لا تعوّض..
اكتشفت أن ما عدا الصحة والوقت، كل شيء يعوّض في الواقع،
لكن قد “لا يتكرر”.
إن تلك الميزة والفردية لهذه الأشياء هي التي تجعلها بنظرنا أموراً “لا تعوّض”
أولها الأرواح من حولنا..

على سبيل المثال..



أنامي.. يبدو أنني لست وحيدة تماماً كما اعتقدت،
فلا يزال لدي هذا الرفيق الصغير.
ويستحيل لي أن أتركه بيد أي شخص آخر،
فلا أحد يعرفه كما أعرفه أنا.
كما أنه لا يزال في مرحلة العلاج..




في هذه القطعة المعدنية، احتفظ بأمور لم يرها أحد من قبل…
سأحتاجها للوصول إلى قمة الجبل.




لا أدري كيف أشرح أمر هذه القطع الذهبية..
فلو أن إعادة صنعها ممكن وبكل سهولة، لكن…
ثمة شيء آخر بها يراه قلبي.
فقررنا وضعها ضمن الاحتياجات التي لا تعوّض في الوقت الراهن،
احتراماً لهذا القلب، فنحن لا نملك قلباً غيره.




وأخيراً!
أقدم لكم آخر كنوزي!
صافرة “صوت الصقر”!
مصنوعة يدوياً من عائلة تنتمي إلى سكان أمريكا الأصليين،
حيث كانوا يستخدمونها لجذب الصقور والعُقبان!
يقال أنها لا تزال تقوم بعملها.
وكلّي توقٌ لتجربتها، صوتها عال جداً ولا يمكنني استخدامها في الأماكن المزدحمة.
أنتظر الوقوف في البر أو ما شابه لتجربتها،
في شهر أيلول، حيث يكثر تواجد الطيور الجارحة في الكويت،
ومن بينهم طائر اليؤيؤ!
أرجو أن تنجح المحاولة وأرى صقراً حراً مجدداً..
فأنا لا أطيق رؤية هذه الطيور الجارحة مروضة بيد الإنسان،
هي بالنسبة لي رمزٌ للحرية والقوة،
مكانها في الطبيعة تنطلق فيها أينما تشاء!
ولا يجب أن يتدخل أحد بوجهتها وحياتها!

أنا لم أرى صقراً حقيقياً حراً على الطبيعة إلا مرة واحدة في حياتي كلها.
كان منظراً خيالياً لا يزال يعاد في ذاكرتي كما لو أنه يحصل حقيقة أمامي،
من شدة قوة تأثيره علي.



على أية حال،
هناك المزيد مما يعوض وما لا يعوض،
احتياجات معهودة عادية لا تستحق الذكر.


لكن بغض النظر عنما كان يقصده كل من عقلي وقلبي أنا،
ما هي احتياجاتك التي تعوض والتي لا تعوض؟
أعتقد أن هذا السؤال يستحق التفكير بين الحين والآخر،
حتى وإن لم نكن ننوي التخلص من أي شيء في الوقت الراهن،
التفكير بحد ذاته قد يسهل علينا أموراً كثيرة في الحياة.

أما “التطبيق”… فهو ما يفتح الآفاق والعجائب.


Leave a Reply