ْتَصْفِيَةُ الحِسابات



ما أجملك..

هلّا أريتني ابتسامتك؟







بكلّ حنّية، كان يحضن جسدي وروحي معاً،
ذاك اللباس البرّاق الأنيق، بلوني المفضّل، “الأبيض”.
يكاد من جمال لونه أن ينسيني هموم العالم كله، ليأسرني بصفائه وبراءته.

كيف للون كهذا أن يتواجد وسط هذه الدنيا؟
كيف للعين ألا تدرك معجزة صفاء هذا اللون؟



حملت أمتعتي القليلة، والتي لا تزال في نظري كثيرة.
منطلقة في رحلة البحث عن المقر الجديد، خارج مدينة الملاهي والأوهام.
حيث لم يتبقى لي إلا خطوة واحدة لأتجاوز حدودها.


فتوقفت فجأة..


أنا.. أسمع صوت سلاسل منذ أسابيع، لكني لا أراها..
تبدو لي كسلاسل مقطوعة… ضعيفة…
لا تملك حتى القوة لمنعي من الرحيل،
لكن صوتها يزعجني..



جلست على كرسي طويل أسفل شجرة على حافة الطريق،
أحاول البحث بين ذكرياتي لمعرفة حقيقة هذه السلاسل ومصدر وجودها..
فتبين أنها كلها متصلة بالمحيط الخارجي حولي..
الناس.. وبعض الجهات..


ألهذا لا أراك مبتسماً، يا أبيضي؟


قد وجهت كل تركيزي على العلاقة بيني وبين نفسي،
وكل ما يثقل حركتي على المستوى الشخصي الداخلي،
لكن ماذا عن علاقتي مع الآخرين؟
تجاهلت ذلك تماماً.

حتى لو كان لهم دور كبير في رغبتي بالرحيل،
هذا لا يعني نسيان كل ما يربطني بهم.

الديون والوعود غير المباشرة والقلوب المتألمة،
توقعاتهم تجاهي والتي لم أعترض عليها،
بل حتى الديون المالية، والأعمال التي سأتركها.
هل فكرت بالإحباط الذي سينتاب بعضهم؟
هل فكرت بسوء الفهم الذي قد يحصل؟
هل فكرت بمن سيتولى الأعمال التي تركتها؟
هل فكرت بتصفية بعض القلوب وإراحتها مني؟

لا..

كل ما كان يشغل بالي هو إنقاذ نفسي وحسب.
فكل واحد منا مسؤول عن نفسه، أليس كذلك؟
ربما لا أزال مقتنعة أنني لست مضطرة لتصفية هذه الحسابات،
وأن كل شخص وكل جهة هي المسؤولة عن نفسها.
لكن إن كنت أريد أن أعيش بسعادة أكبر،
فالأفضل أن أتخلص من هذه السلاسل…
وأصفي حساباتي مع من حولي،
بالقدر المستطاع فقط،
دون المبالغة.


اتجهت إلى البنك أولاً،
كان لدي قرض بسيط وكان من المفترض أن ينتهي منذ مدة،
لكنه توقف لفترة بسبب الكورونا حتى تأخر.
فأنهيته بنفسي بدل الانتظار.


ثم اتصلت على كل شخص أخذ مني مبالغ أو أغراض معينة،
لأؤكد له أنني لا أريدها، ولن أقبلها، فيمكنه الاحتفاظ بها لنفسه،
أو التبرع بها لمن يحتاجها.


ثم طلبت من أصحاب الأعمال التي كنت أقوم بها أن بإمكانهم طلبي إن “احتاج” الأمر لذلك فقط.
كما واقترحت بعض الأشخاص كبديل عني.


ثم ذهبت لأحد المعارف،
كان رجلاً يرغب بخطبتي لكنه لم يقدر بسبب انشغاله بأهله.
حينها لم أقدر على رفضه بشكل صريح مباشر مراعاة لمشاعره وما يمر به مع أهله.
فقررت ألا أكترث للأمر واكتفيت بالتجاهل، واعتقدت أنه نسى وتابع حياته.
لكنه لسبب ما، حين علم برحيلي.. جن جنونه… وراح يسأل عني في كل مكان…
لم أعلم أن صمتي وتجاهلي أبقياه معلقاً.
فذهبت لأهدئه وأريحه، أصارحه أنني لا أرغب به على الإطلاق.
حتى ولو لم يكن مشغولاً بأهله، حتى لو كان مستعداً، لم أكن سأوافق عليه.
فلا يجب أن يلوم نفسه على شيء،
ولا يندم على شيء.


وأخيراً، ذهبت لفريق ألعاب الفيديو.
اعتدنا على الاجتماع صباح كل سبت للتحدي في اللعب أو الحديث عن مختلف الأمور العشوائية.
حاولت مراراً وتكراراً ترك ذلك الفريق،
لكنهم كانوا دائماً يعيدوني إليه معتقدين أن خروجي منه مجرد عواطف دون منطق.
حتى صرت أختلق الأعذار كي أتغيب عنه، بل صرت أتغيب حتى عن تجمعاته كل سبت.
لكن أذكر أني أخبرتهم باحتمالية شرائي لجهاز جديد قبل شهر نيسان، لأتمكن من اللعب معهم.
لكني لم أفعل، ولن أفعل، وعليّ اخبارهم بعدم رغبتي بالبقاء في ذلك الفريق، بشكل نهائي..
وهنا…
حصل الاصطدام وانفجرت القنابل المخبأة…
لم أتوقع ردة الفعل تلك منهم..
ولم أتوقع ردة فعلي أنا تجاه ذلك…


“ما المغضب؟”
“لست مضطرة للعب!”
“ليس أمراً مهماً”
“من أنتم أصلاً!!”




قبل أن أعي نفسي، خرجت عن السيطرة وبدأت الشجار معهم.
فبأي حق يغضبون ويفترون علي لأجل أمر تافه؟
لم يعجبني ذلك على الإطلاق.
ولن أدلل أو أتفهم كل من يحاول التحكم بي بأي شكل من الأشكال.
سواء كان ذلك التحكم عن قصد أو غير قصد، كلاهما بنظري واحد.


ذلك الشجار أزعجني جداً،
حاولت تهدئة نفسي لكن لم أنجح، فاتصلت على أختي لأتذمر.
وأخبرتني أنني مخطئة بغضبي، فعدم قدرتي على إرضاء الجميع أمر طبيعي.

صحيح كلامها…
كان علي توقع ردود فعل كهذه،
خصوصا من قبل جماعة “اللعب واللهو” أنفسهم…
إلّا أن فكرة “تقييد حريتي” سرعان ما أشعل نار العنف في داخلي.
لكن هل كان علي أن أغضب هكذا بسبب حساسيتي تجاه موضوع الحرية؟
هم لا علاقة لهم بذلك الموضوع… أعتقد أنني أخطأت..
ليس بقرار خروجي طبعاً، بل بردة فعلي والطريقة التي خرجت بها.


هدأت بعدها،
وأرسلت لهم كلمات شكر على كل الأوقات الجميلة التي قضيناها معاً.
مؤكدة لهم أني لا أحمل في قلبي أي مشاعر سلبية تجاه أحد منهم، لكني اتخذت قراري وانتهى.
ورغم أن بعضاً منهم حاول التحدث معي وإقناعي بهدوء للعودة إلى الفريق..
لكني لم أجد في كلامهم إلا ما يزيد قناعتي في صحة قرار تركه..
فقد تعجبت حقاً لما قاله أحدهم..

“ألا تعتقدين أنك تعانين كثيراً… وتدّعين السعادة وحسب؟”

أعاني أكيد، فمن منا لا يعاني في هذه “الدُّنيا”؟
لكن أدّعي السعادة؟ من؟ أنا؟

يا للعجب…
من الذي يدّعي السعادة هنا بالضبط؟
إن كنت أنا التعيسة وهم السعداء،
فلم يقفون ضد رغبتي بترك الفريق كما لو أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم؟
إن قرر أحدهم ترك الفريق فلن يحزنني ذلك على الإطلاق، بل سأشجعه على ذلك.
فما يقوم به الفريق لا ينقذ أحداً ولا يجني حتى المال.
بل هو فريق لتضييع العمر الغالي وحسب.
كنا نمضي معظم وقتنا فيه بالسخرية والضغط على بعضنا البعض.

بغض النظر عن حبي لهم،
لكنه فريق يسير باتجاه تافه، غير مضحك، لئيم، ومزعج.
أصلاً لم يكن فريقاً، بل أشبه بعصابة، عصابة تعتدي على نفسها.
وبقائي فيه كان أكبر سواد وجه في حياتي.

فكيف يعتقدون أني بخروجي منه، أدّعي السعادة؟

لم أعرف كيف أرد عليهم،
فمهما قلت لهم.. لن يصدقوا سعادتي..
هم يرون فيما يسعدني تعاسة، وأنا أرى سعادتهم بحد ذاتها وهماً وتعاسة.
أعرف ذلك حيث كنت أعيش في نفس العالم سابقاً.

نحن الآن في عالمين مختلفين،
نتحدث بلغتين متضادتين،
ومهما حاولنا إقناع بعضنا البعض،
لن نزداد إلا قناعة بما نحن عليه…

لذلك،
اكتفيت بالابتسامة، والدعاء لهم بالخير.
ثم ودعتهم وأدرت ظهري ورحلت،
دون أن ألتفت إليهم حتى.




لم يكن كل ذلك أمراً سيئاً بالنهاية،
فبسبب ذلك الشجار، تذكرت أمران مهمان…

الأول هو نقطة ضعف عليّ التخلص منها،
والتي كانت السبب الأول والأكبر التي مكّنت رياح الجبل من إيقاعي أرضاً…
فيبدو أنني لا أزال أعاني من خوف خفي من قدرة الآخرين على التحكم بي أو التأثير علي… وإلا فلما غضبت هكذا؟
عليّ مواجهة هذا الخوف فور وصولي إلى المقر الجديد.
هناك… سأقتلعه من جذوره وإلى الأبد.

أما الأمر الثاني، هو تذكري لكل من يدعمني ويشجعني في طريقي هذا… أختي والكثير غيرها…
كنت أرى أن دعمهم أمر بديهي وطبيعي، حتى نسيت شكرهم عليه، بل اعتقدت أنني لا أحتاجه.
لكن الواقع أن ذلك الدعم المعنوي له أثر إيجابي ثمين، ونكرانه ذنب كبير…
فقررت أن أرسل لهم امتناني بوجودهم في حياتي، دون ذكر السبب،
أريد إسعادهم فقط، بين الحين والآخر،
بما أقدر عليه.







وهكذا..
تخلصت من كل تلك السلاسل أخيراً.
وتمكنت من تخطي حدود المدينة حتى أصبحت خارجها.

التفتت بابتسامة عريضة،
أنظر إليها من بعيد، للمرة الأخيرة قبل أن أودعها.

وبدا المنظر مألوفاً عليّ…
فتذكرت أني قمت بأمر مشابه قبل رحيلي إلى رحلة الحج.
حين حاولت تصفية أموري… كم كان شعوراً رائعاً… خيالياً…

ولو أني عدت من تلك الرحلة خفيفة كالريشة.
لكن يبدو أن البقاء في هذه الحياة لا بد له من أن يثقل المرء مع مرور الوقت.
فعملية “تصفية الحسابات” لا تحصل مرة واحدة في العمر.
هي مهمة دورية، يجب القيام بها كل شهر على الأقل.

بل بعض الحسابات كالملابس البيضاء،
حسّاسة لا تتحمل التأخير، تتطلب تصفية يومية، أو حتى لحظية،
ليحرص المرء على ألّا يعيش حياته إلّا..
“حُرّاً”.

















































Leave a Reply