أَمَجْنونٌ أَنْت… أَمْ مُجَرَّدُ إِنْسان؟



خُلق الإنسان بنقصان،
نعمة أم لعنة، فله كل الاختيار.

وقدراتهم في تفاوت،
نعمة أم لعنة.. هل لهم أي خيار؟





غالبية الناس، أو كلهم تقريباً،
لا يسمعون إلا تلك الموجات الصوتية،
أو لا يرون إلا تلك الانعكاسات المرئية.

لكن هناك فئة قليلة نادرة..
منحها الله قدرة أكبر على الرؤية والسمع..
حيث أنهم يسمعون أصواتاً لا يمكن للأجهزة الحديثة التقاطها،
أو يرون رؤى ومنامات عن أمور خلف الجدران لا يعلم بها أحد.

لكن لأنهم فئة قليلة جداً ونادرة،
يصعب على عامة الناس تصديقهم،
أو حتى تقبلهم…

فالعامة يعيشون بنعيم القدرات المتعارفة عند الجميع،
هم يتمتعون بالقدرة على رؤية الأرض تحت أقدامهم.
لكن من لعنات ذلك النقصان، أنهم لا يرون غير ذلك،
فتكون فرصة ظلمهم لأنفسهم وللآخرين أكبر.

أما أصحاب القدرات التي تفوق المتعارف،
يقدرون على رؤية حقيقة الأمور بمعدل أكبر بكثير من العامة،
فتقل فرصة ظلمهم لأنفسهم أو لغيرهم.
لكنهم… من جهة أخرى… معرضون للعنة “الجنون”…

فإن قلت لأحد أني أسمع ما لا يسمعون،
وأرى ما لا يرون،
سيفسرون أني إما كاذبة.. أو واهمة..

لكني اختبرت نفسي مراراً وتكراراً.. طيلة سنوات حياتي..
فكنت أسأل كل شخص أراه في رؤية أثناء يقظتي،
أو في منام أثناء نومي،
عن صحة ما رأيت،
فكانوا يخافون مني.. من شدة دقة صحة ما رأيت.
أسرار بيوت وأمور شخصية..
أفكار أو حالة لا يرغب صاحبها بأن تظهر لأحد…
فصرت بالكاد أخبر أحداً بما أرى..

إن تلك القدرة قد تجعل من صاحبها إنساناً منبوذاً،
فهو يبكي فجأة لسماعه صراخ أحدهم يستنجد ولا أحد ينقذه…
أو يرى فجأة منظراً هو على يقين أن ذلك المنظر يحصل حقيقة في مكان ما،
فيصرخ فجأة من هول ذلك المنظر،
ويلتفت الجميع إليه بتعجب..
ولكي لا يبدو مجنوناً في نظرهم،
يحاول أولاً تصديق أن ما رآه ليس إلا وهماً..
ثم يضحك محاولاً التظاهر أنه رأى صرصورا أو ما شابه،
أو أنه كان يمزح وحسب..
مضحياً بكل ذلك هيبته وسلامة ذهنه.

ثم سرعان ما يسأتذن ليختلي بنفسه،
ينظر إليها في المرآة متسائلاً…
“هل أنا مجنون؟”



أنا..
أسمع صرخاتهن في كل ثانية…
لا أستطيع العيش…

لا أستطيع الأكل، وإن أكلت، لا أشعر بالطعم.

لا أستطيع النوم، وإن نمت، أرى منامات عن مختلف الناس.. بعضهم أعرفهم وبعضهم لا.

لا أستطيع الضحك… وإن ضحكت، أضحك بشكل هستيري.

يرون حالتي ضعفاً
لكني على يقين،
أنهم لو يسمعون ما أسمع، ويرون ما أرى،
لن يتحملوه حتى ساعة واحدة.
إلا أن كانوا فاقدين لكرامتهم وإنسانيتهم…



لكن أنا لم أفقدها… ولن أفقدها…

فكيف لي ألا أصاب بالجنون؟

إلا بالدعاء.. والتوسل إلى الله..

أن يلهمني صبراً وقوة أكبر…

على تحمّل مصائب الدّنيا..


وإن لم أستطع الوصول إلى ذلك المستوى العالي من الصبر وقوة الإيمان،

فالـ”جنون”.. أرحم علي من قلب ميّت.




2 thoughts on “أَمَجْنونٌ أَنْت… أَمْ مُجَرَّدُ إِنْسان؟

  1. همم .. هذا أغرب ما كتبتيه بالنسبة لي حتى الآن، بالطبع لا أصفك بالجنون فمجرد عدم فهمي لا يعني جنونك انتِ، لكن.. صرخات من يا ترى التي تسمعينها؟ ،قلتِ “صرخاتهن” ، اذن هن إناث، من هن؟ … في النهاية فليكن الله في عونك وعونهن💗

    1. في الطفولة كنت أسمع صرخات الجميع. لكن حين كبرت، أدركت أن صرخات الأطفال والرجال كلهم سببهم واحد، وهو صرخات النساء.
      فصرت الآن لا أسمع إلا هن، تحولت جميعها إلى صرخات نساء فقط…
      أرى رجلاً يصرخ متألماً… لكن الصوت الذي يصدره صوت امرأة.
      أرى أطفالاً يصرخون متألمين… لكن أصواتهم جميعاً كصوت امرأة.
      أرى الحيوانات والأشجار والبيئة، كلهم يصخرون.. بصوت امرأة
      يبدو أن الحياة فعلاً لا تأتي إلا عن طريق الأنثى، ولا تدور إلا حولها.
      فبحسن حال المرأة، يتحسن كل شيء من حولها..
      وبسوء حالها، يسوء كل شيء.

Leave a Reply