“لِلْوَحْدَةِ ضَريبَة”



ها أنذا حيث أردت، قريبة من الجبل.
أجلس مستندة على صخرة أسفله،
وحالتي، كم هي مزرية…


لم أتصور نفسي بهذا الشكل عند وصولي…
ظننت أني سأصل وأنا بكامل نشاطي وإشراقتي وتفاؤلي..
لكن كيف تحولت ملابسي البيضاء النظيفة إلى لون بني داكن أقرب للسواد؟
لما يبدو شعري مبعثراً هكذا وكل شيء بي متسخ؟
وهذه الرائحة النتنة…؟


حاولت تذكر ما حصل بالضبط…






أذكر أني بعد خروجي من المدينة، كنت أتّبع الخريطة،
وأنا أسير في الغابة الكبيرة التي تفصل بينها وبين كهف الجبل.
كان كل شيء يسير حسب الخطة.

ثم جلست وسط الغابة لأستريح قليلاً، وغفوت للحظة.
فسمعت صوتاً مهزوزاً خائفاً… لشاب صغير… يقول لي:
“لا ترحلي…”.

أفقت من غفوتي،
لأجد الغابة وقد تحولت إلى أدغال مظلمة مرعبة.
تصدر همسات وصرخات وأصوات مجهولة غريبة من كل مكان.
والأشجار تتحرك وتنمو بشكل عشوائي غير منتظم،
فتتدافع وتتشابك بعنف بشكل بشع غير لطيف،
حتى صارت تكسر أو تلوي بعضها البعض.
والديدان تتفجر من أغصانها وجذوعها،
بل ومن تحت الأرض.

حاولت الركض مسرعة للخروج منها،
حتى وقعت في مستنقع ما… أركض فيه بصعوبة وبطء..
رائحته مألوفة ولا تطاق… أشبه برائحة الحديد..
لكن من شدة ظلمة المكان، لم أتمكن من رؤية المستنقع بوضوح،
فكنت أعبره وأشعر بأشياء تلمسني من أعلى خاصرتي حتى أسفل قدميّ.
حتى علقت قدمي بإحداها فوقعت بأكملي في ذلك المستنقع،
ملوثة جسمي كله، ورأسي وشعري.

طعم حديد…

نهضت مسرعة محاولة ألا أتقيأ،
وتابعت الركض بتخبط دون وجهة محددة.
حتى خرجت من ذلك المستنقع ومن تلك الأدغال بأعجوبة.
أو بالأحرى…
كنت أسمع صوت الشاب نفسه في كل مرة ينادي “ياياء! هنا!”،
وكنت ألحق صوته وحسب، في تلك الظلمة،
حتى أخرجني منها.




الآن أجلس بالقرب من الجبل،
منهكة وبحالة لا يحسد عليها..
بالكاد أستطيع الحراك، أو رفع رأسي حتى.
ولا أعرف في أي جهة من الجبل وصلت إليها بالتحديد..
فقد أضعت الخريطة في تلك الأدغال،
ربما أسقطتها حين وقعت في المستنقع.


لا أطيق حالي،
هذه الرائحة… وهذه الأوساخ…
لا تبدو لي أوساخاً عادية..
لا احتملها.


ما كان ذلك المستنقع؟ أيمكن أن يكون…؟!


لم أستطع تقبل فكرة أن أكون قد وقعت في شيء كهذا.
فلم أتمالك نفسي.. رأيت العالم كله يدور،
قبل أن أسقط على الأرض.

لكني بين اليقظة والإغماء، قبل أن أفقد وعيي تماماً،
رأيته…

ظلٌّ يركض نحوي،
كان فعلاً ظلّ شاب صغير.. في عمر الزهر..
ربما لم يكمل الثامنة عشرة من عمره بعد،
وبصوته الذي يرتجف محاولاً كبت بكاءه، يعاتبني:
“قلت لك ألا ترحلي لوحدك… فللوحدة ضريبة…”

ابتسمت له بكل ما أملك من حنّية… دون معرفة هويته حتى..
ولو كان لدي القوة، لرفعت يدي لأضعها على صدره،
لأهدئ من نبضات قلبه المتسارعة، أطمئنه، وأبعد عنه الخوف.
لكني كنت كالجثة بالكاد تمكنت من التلفظ ببعض الكلمات:
“لا بأس.. سأدفع ثمنها.. وسأنجو بنفسي..”

فنزل على ركبتيه ليمسك بيدي، باكياً:
“إذاً أرجوك أن تأخذيني معك!”

لم أستطع المتابعة معه من شدة التعب،
فأغمضت عيني وحسب، متسائلة في أعماقي…


من هو هذا الشاب؟
منذ متى وهو يعرفني ويراقبني؟
لِم ظهر أمامي فجأة الآن؟



إن ما قاله عن ضريبة الوحدة،
ذكرني ببعض مراحل عمري التي مررت بها.
والرحمة التي أنزلها عليّ ربي، بهيئة مختلفة في كل مرة.

ففي إحدى المراحل، حين فقدت إحساسي بمعنى الحياة،
أنزل الله رحمته إلي على هيئة طفلة رضيعة، ابنة أختي، “توتا”..
ولأنها رضيعة، كانت دائمة النوم، غير قادرة على الحراك،
وكان ذلك ما يمثلني تماماً، لكن بشكل عكسي…
فنومها على خلاف نومي، كان بداية حياة جديدة.
ورغم صمتها ونومها معظم الوقت، كونها رضيعة لا حول ولا قوة..
إلا أن صحبتها أنقذتني، وجودها بجانبي بحد ذاته أعاد إلى قلبي نبضه.

وفي مرحلة أخرى من عمري، حين انجرفت مع حب الدنيا،
كنت على وشك أن أفقد عفويتي وطبيعتي ومصداقيتي مع نفسي،
فأنزل الله رحمته إليّ على هيئة طائر حب، “أنامي”..
ليريني هذا الطائر، كيف أن الإنسان حين لا يرتقي بنفسه ويخذل روحه،
يصبح الحيوان أعز إليها منه، ذلك باحتفاظه على فطرته على الأقل.

وفي مرحلة أخرى، حين كرهت نفسي وفقدت الثقة بها نهائياً،
أنزل الله رحمته إليّ على هيئة طفلة أخرى، ابنة أختي “حور”..
لكنها لم تكن رضيعة حين ظهرت أمامي،
بل كانت بين الثانية والثالثة من عمرها، مفعمة بالنشاط والثقة،
عزيزة النفس محبة للنعم التي أهداه الله إياها.
فتعلمت منها كيف أحب هذه النعم في نفسي وأنهض بها مجدداً.


الأناس الوحدانيون يرون السلامة بالعزلة،
لكن كثرة الوحدة لها ضريبتها حتماً.
فلو سلم المرء بعزلته من شر الناس،
قد لا يسلم من شر نفسه.
لذلك هو دائماً بحاجة لرفيق..
ولو كان رفيقاً واحداً فقط،
فذلك كاف.


لكن لما أنزل إليّ رحمته هذه المرة على هيئة شاب ذكر في بداية عمره؟
أليحميني من همجية الأدغال ومستنقع الفتن والعنصرية التي تحاول اقتحام ذهني وتلويث قلبي؟
لكن من أين لهذا الشاب الصغير كل تلك الشجاعة؟
يقول إني قدوته التي يحترمها، وأنه يكن تجاهي شعوراً مميزاً عظيماً لا يمكنه وصفه بالكلمات.
لكنه لا يعلم أني في الواقع من تعلم منه الكثير، في هذا اللقاء القصير..
فرغم علمه بضعفي أمام شر نفسي في الوقت الحالي، وأني قد أسيء الظن به،
لم يزده ذلك إلا إصراراً على حمايتي من تلك الأفكار السوداء الموجهة ضده.

لم أتوقع أن أرى رجلاً بذلك العمر وبتلك الشجاعة في هذا الزمن.
لكن يبدو أن المصائب لا تسقط أقنعة الجبناء والمجرمين فقط،
بل تخرج لنا أبطالاً لم نتوقع ظهورهم.

هو رحمة.. هو بلا شك رحمة.
فلولا شجاعته وشهامته المصحوبتان بالبراءة وروح الطفولة،
لكنت ربما لا أزال تائهة وسط ذلك المستنقع.. من يدري.

فلو كان قد أتى على هيئة رجل ناضج بعمر يقارب عمري.. لربما أحدث مفعولاً عكسياً.
كنت سأهرب من صوته بدلاً من اللحاق به، نظراً لوضعي الحالي وما رأيته في الأدغال.
حتى ولو كان شهماً وشجاعاً، كنت سأبقى أنفر منه.
خصوصاً إن كان يرى في “البكاء” ضعفاً، ككثير من الرجال الكبار.
أما البراءة وروح الطفولة لطالما كانتا نقطة ضعفي،
ولا أحد يمكنه التأثير على قلبي وفكري كما يفعله من يحملهما.
إضافة إلى تلك الدموع والصوت المرتجف الذي أصدره ذلك الشاب،
الأمر الذي أجبرني على ألا أراه إلا “إنساناً”،
ليس ذكراً ولا أنثى، بل مجرد “إنسان”.
بل وأجمل وأعظم من ذلك بكثير…

لكن كونه ذكراً بمقتبل العمر، وبتلك الإنسانية،
هو ما أحيى الأمل في قلبي في مثل هذه الأيام..
أملاً لمستقبل أفضل…
وكان ذلك كل ما أحتاجه ليعود إليّ رشدي،
فأعود إلى الحياة، بقلب سليم، وعقل سليم.
وبمناعة أقوى.


قد لا أقدر الآن على رؤية ذلك الشاب بوضوح بعد..
ولا أدري إن كانت مهمته معي قد انتهت إلى هذا الحد..
لكن لابد للأيام أن تكشف أمره والحكمة من ظهوره،
بشكل كامل، عاجلاً أم آجلاً.


المهم عندي هو ظهوره.
فقد أكد لي ذلك أنه مهما كانت وجهتي ومهما كانت قلة الناس في الطريق الذي أسير به،
فلن يتركني الله وحيدة،
وسيرسل لي رفيقاً في كل مرة، في كل مرحلة.
سواء كان على هيئة رضيع،
أو طير،
أو طفل،
أو شاب صغير،
أو ربما حتى نبتة من نوع ما،
أو قمر في سماء الليل،
أياًّ كان،
فلن يكون إلا رفيقاً ملائماً تماماً لحاجتي ووضعي.
ولا أحد أعلم بحاجتي من الله.







Leave a Reply