تَذَوَّقِ النَّصْر.. وَلَوْ بِالأَحْلام




كانوا ثلاثة طيور.
طير صغير أليف أصفر اللون،
يتبعه جارحان، كلاهما من فصيلة العُقبان،
الأوّل ناصع البياض، مع بعض الريش الملوّن على أطراف جناحيه،
والثاني يضعف الأوّل حجماً وقوة، لونه ما بين البُنّي المحمر والذهبي اللامع.

كان الأخير هو العُقاب الذهبي نفسه بلا شك.
أما العُقاب الأبيض ذو الأطراف الملوّنة، كان كما لو أنه… أنا؟
لكني لم أكن أرى الحلم من خلاله،
بل كنت أراقب كشخص آخر خارج نطاق عالم الحلم،
أشهد ما يحصل.

رأيت العُقاب الأبيض يطارد الطائر الأصفر الصغير،
والعُقاب الذهبي يطارد العُقاب الأبيض.
ولكلا العُقابين أسباب مختلفة،
فالأبيض يطارد الأصفر خوفاً عليه،
بينما الذهبي يطارد الأبيض ليهجم عليه.

كان الطائر الأصفر يطير مسرعاً بتهوّر وعشوائية كطفل خائف يجهل ما يدور حوله.
حتى دخل الصغير دون أن يدرك حدود منطقة طائر جارح آخر..
منطقة العقاب الذهبي.
ولا يسمح للأبيض دخولها، لكنه اضطر لذلك ليعيد الأصفر إلى عشه.
فكان الذهبي يحاول حماية أرضه، بطريقته الخاصة…
الطريقة التي من شأنها أن تكون خطراً على حياة الطائر الأصفر.

حاول الأبيض منع الذهبي من إيذاء الأصفر.
إلا أن الذهبي كان أكبر حجما وقوة وأسرع بكثير.
الأبيض، ولو أنه كبير قوي مقارنة بالأصفر، لكنه أمام الذهبي صغير ضعيف البنية،
غير ثابت في طيرانه، ويميل حيث تميل الرياح وحيث يميل الأصفر.
فكان من السهل على الذهبي اللحاق بهمها.
لكن خفة حركة الأبيض مكّنته من تفادي هجمات الذهبي في كل مرة.
ضحك الذهبي ساخراً من مراوغة الأبيض، قائلاً إن من الأفضل له الاستسلام وحسب،
فهو لا يبذل أي جهد في هجماته تلك، بل يلهو معهما فقط،
وسرعان ما سيتمكن منهما إن قرر هو ذلك.

لم تكن سلامة الأصفر أمراً يدعو للضحك واللهو بنظر الأبيض.
فغضب الأبيض –أي غضبت أنا-، وقرر أن يوقف الذهبي عند حده.

لاحظتُ ثغرة في حركة الذهبي في كل مرة يحاول فيها الهجوم عليهما،
فهو يبطئ من حركته حين يقترب منهما، ثم يميل إحدى جناحيه ليوقع بجناح الأبيض،
وفي تلك اللحظة بالذات، تثقل حركته، ويكون في موقف ضعف أمام خفة ومرونة طيران الأبيض.
ولأن الأبيض في الحلم هو أنا نفسي، فقد وصلت إليه ملاحظتي تلك.

ظل الأبيض يطير خلف الأصفر محاولاً حمايته، مترقباً هجوم الذهبي التالي بحذر وتركيز.
وحين قام بذلك الهجوم الساخر مجدداً، التفّ الأبيض إلى الأعلى فجأة للمواجهة بدلاً من الهرب،
وانقض بمخالبه على جناح الذهبي المائل ليوقع به،
فاختل توازنه وارتبك.

هنا أدرك الأصفر لما كان الأبيض يلحق به،
فهرب من المنطقة مسرعاً،
واطمأن قلبي…



لكن بمجرد أن اطمأن قلبي على سلامة الطائر الأصفر،
تغيرت أجواء الحلم فجأة إلى أجواء أكثر عاطفية…

صرت أرى الحلم من منظور العقاب الأبيض،
لم أعد مشاهداً خارج نطاق ذلك العالم.
فوجدت نفسي بموقف خطر.

ولو أن الهجوم المفاجئ أربك الذهبي،
إلا أن عليّ السيطرة على ميلان جناحه، وإلا فسيهلكني.

أحكمت قبضتي على ذلك الجناح،
فاختل توازنه أكثر، وبدأنا نسقط معاً بحركة دائرية، إلى أن اصطدمنا بالأرض،
لكني بقيت مسيطرة على مركز جناحه، بشكل يمنعه من الطيران.
فكنا نتقلب على الأرض كلما حاول الطيران.
واستمر صراعنا ذاك حتى الغروب.

إلى أن هدأ أخيراً، وتحولت نظرة الإرباك عليه لتعود لنظرته المتعالية مجدداً،
مبتسماً بتهكم وهو يهز رأسه بغرور قائلاً:
“أهنئ على شجاعتك، وأرجو أنك تدركين عواقب ما تقومين به.”
لم أردّ عليه، وكنت أوجّه كل تركيزي على إبقاء جناحه تحت سيطرتي،
وإلا فستكون نهايتي.

بقينا هكذا إلى أن حل ظلام الليل…
وكان طيلة الوقت يتحدث بسخرية تارة ويهددني تارة أخرى.
حتى سكت أخيرا…
ثم شعرت به يتعب ويضعف قليلاً..
لم يكن ضعفاً جسدياً،
بل بدا لي ضعفاً متأثراً بجرح كبريائه.
فقد تحول تعبيره الساخر المتعالي إلى تعبير جامد خال من أي مشاعر.
فخفت عليه… وشعرت بخطر كبير يهدده… يهدد قلبه.
شعرت في تلك اللحظة، أنه صار في موضع إن شددت عليه سيسوء ويقسو قلبه أكثر، وتزداد وحشتيه..
فنحن من اقتحم منطقته، ولو بالخطأ،
وكان من واجبه حمايتها وحسب.
حتى أنه لم يهجم علينا مباشرة بل كان يخيفنا ليبعدنا، كالعادة.
لكن الواقع أنه هو الخائف منا أكثر من خوفنا نحن منه…

نحن نخاف منه على أنفسنا،
بينما هو يخاف منا على منطقته بأكملها بجميع أحيائها…لا ألومه..
كلما ازدادت المسؤولية الملقاة على عاتقنا، كلما ازددنا خوفاً عليها.

فاتخذت قراراً غريباً…
لا أدري بما أصفه ولا أعلم لما قمت به،
كنت اتبع إحساسي وحسب..

فقررت أن..

أتظاهر بالنوم…

….


أرخيت قبضتي على جناحه،
وشعر بذلك، فأصدر ضحكة قصيرة خافتة، معتقداً أنني استسلمت بسبب التعب،
والتفت إلي، ليتفاجأ أنني نائمة.

لم أكن أراه، لكني كنت أتحسس حركته والأصوات التي يصدرها.
ويبدو أن خطتي نجحت…
فقد جلس يراقبني نائمة لبعض الوقت، كما لو أنه يحاول استيعاب ما عليه القيام به.
نومي عليه دون خوف جعله يشعر كما لو أنني تركت أمري بيده وتحت رحمته.
فتغيرتُ بنظره من عدوّ يهدّده، إلى عبء أو جزء من مسؤولية يتحملها.

بعد لحظات، نهض ببطء وهو يتنهد قائلاً:
“لست مسؤولاً عنك، الأفضل لك أن تخرجي من هذه المنطقة فور استيقاظك.”
ثم تركني على الأرض ورحل.
وحين ابتعد قليلاً، رأيته من طرف عيني..
لم يكن عقاباً على هيئة طير حقيقي كما كان.. بل أصبح أشبه بإنسان.
مما جعلني ابتسم بارتياح.

وكان ذلك آخر ما رأيته في الحلم..









أفقت من نومي،
لأجد نفسي على سرير مألوف، بملابسي البيضاء ذاتها…
نظيفة كما كانت عليه حين غادرت مدينة اللهو متجهة إلى الغابة.
وحين نظرت حولي، تذكرت أني لا أزال في منزل صديقتي “رَواء”.

قبل أكثر من شهرين،
وبعد حادثة الغابة التي تحولت إلى أدغال مرعبة،
وجدني أخ “رواء” ملقاة خارج الغابة بحالة لا يحسد عليها،
فقام بحملي إلى منزلهم المتواجد في القرية التي لا تبعد كثيراً عن الجبل.
تعجبت حينها من قدرته على حملي.. بل لم أتمكن من تمييزه على الفور.
كنت أذكره ولداً صغيراً في المرة الأخيرة التي رأيته فيها، قبل أن يبدأ هذا الوباء.
أي أنها لم تمر إلا سنة، أيعقل أن سنة واحدة جعلته يكبر فجأة هكذا؟
ذلك الفتى الصغير… كبر الآن ليصبح ليثاً شجاعاً..
حتى أنه منعني من الرحيل رغم إرادتي،
وظلت رواء ترويني بحنانها ودفء قلبها الذي لا يتوقف عن العطاء.
فبقيت في منزلهم لأكثر من شهرين…

قد أمضيت أياماً عديدة بهذا الضعف؟
يا له من أمر مخجل…
أن أسقط بتلك السهولة سرعان ما بدأت رحلتي نحو مقري الجديد..
لم أتوقع كل تلك الأحداث اللاإنسانية التي بدأت فجأة بمجرد رحيلي…
كانت صدمة تلو الأخرى…
ولأنها لا تزال قائمة، لم يكن سهلاً عليّ أن أتعافى بسرعة..
خصوصا بوجود هذا الوباء وزيادة حالات الوفاة،
بما فيهم الأحباب..
ودون القدرة على وداعهم أو حتى رؤية عائلاتهم…

أعتقد أنه لو لم يتم إحضاري إلى هذا المنزل في مثل هذه الأيام،
لربما كنت الآن…

لا أدري..

لكن هكذا هي هذه الدنيا،
تعطي تصوراً بالجنة والجحيم معاً.
لذلك يتوجب عليّ أن أكون أقوى بكثير!
لأتمكن من تجاوزها دون ندم.

خلال هذه الفترة،
كنت أستيقظ كل يوم محاطة برعاية عائلة “رواء”،
وشعور الندم لا يفارقني..
صحيح أنها كانت فترة نقاهة،
لكني كنت كلما تعافيت أكثر، كلما ازداد شعور الندم ببقائي.

فالوقت يمضي…
وكان يجب أن أكون الآن في مقري الجديد أسفل الجبل…
ولو أن هذه القرية لا تبعد كثيرا عن وجهتي،
لكن الاعتياد على هذه الأجواء اللطيفة وكل تلك الرعاية، سيضعفني حتماً.
فكنت أنتظر الوقت المناسب للرحيل.
حتى أتى إليّ هذا الحلم اليوم..


أريده..
أريد مواجهته.
أريد ذلك النصر.
أعلم أن ما قمت به في الحلم لم يكن نصراً،
بل مجرد خدعة مؤقتة أوقعت بها جارح أحلامي.
لكني في ذلك الحلم كما في الواقع، سئمت من استصغاره لي،
فأردت أن أريه نقطة ضعفه ولو للحظة، لأكسر نظراته المتعالية تلك.
مدركة أنه سرعان ما سيجد طريقة ما ليمنعني من استغلالها مجدداً.
لذلك… لا يمكن القول إني انتصرت عليه، ولا حتى في الأحلام.
بل تمكنت من “تذوق” شعور النصر وحسب.
وكان ذلك كافياً في الوقت الراهن،
ليذكرني بما عليّ القيام به.


إن كان لذلك الحلم أي معنى…
أيمكن أن خروج الطائر الأصفر من عشه، يمثل ضعفي؟
وتعديه حدود العقاب الذهبي، يمثل سماحي لذلك الضعف بالتأثير على الوعد الذي قطعته؟
وهجوم الذهبي عليّ كان يمثل شعور الندم الذي ظل يلاحقني بسبب ذلك؟
ثم هرب الطائر الأصفر وتغلبي على الذهبي، علامة على شفائي واستعادتي قوتي؟
وفي النهاية حين أخلا مسؤوليته مني وأمرني بمغادرة المنطقة فوراً،
أهي إشارة وتحذير أن وقت الرحيل قد حان؟
فإن لم أرحل الآن، سيفوت الأوان؟
وسيتخلى عني؟



على الأقل..

هذا ما أشعر به؟















Leave a Reply